الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
269
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ان فصل الربيع فصل جميل * تضحك الأرض من بكاء السماء وما يسترعي النظر أن القرآن أشار إلى صفتي الضحك والبكاء دون سائر أفعال الإنسان ، لأن هاتين الصفتين خاصتان بالإنسان وغير موجودتين في الحيوانات الاخر أو نادرتان جدا . أما تصوير إنفعالات الإنسان عند الضحك أو البكاء وعلاقتهما بالتغيرات في نفس الإنسان وروحه فإنها غريبة وعجيبة جدا ، وكل هذه الأمور في مجموعها يمكن أن تكون آية واضحة من آيات المدبر الحق ، بالإضافة إلى التناسب الموجود بين الضحك والبكاء والحياة والفناء ! وعلى كل حال ، فانتهاء جميع الأمور إلى تدبير الله وربوبيته لا ينافي أصل الاختيار وحرية إرادة الإنسان ، لأن الاختيار وحرية الإرادة في الإنسان أيضا من قبل الله وتدبيره وتنتهي إليه ! . وبعد ذكر الأمور المتعلقة بالربوبية والتدبير من قبل الله يتحدث القرآن عن موضوع المعاد فيقول : وأن عليه النشأة الأخرى . " النشأة " : معناها الإيجاد والتربية ، و " النشأة الأخرى " ليست شيئا سوى القيامة ! والتعبير ب " عليه " من جهة أن الله لما خلق الناس وحملهم الوظائف والمسؤوليات وأعطاهم الحرية وكان بينهم المطيعون وغير المطيعون والظلمة والمظلومون ولم يبلغ أي من هؤلاء جزاءه النهائي في هذا العالم ، اقتضت حكمته أن تكون نشأة أخرى لتتحقق العدالة . أضف إلى ذلك فإن الحكيم لا يخلق هذا العالم الواسع لأيام أو سنوات محدودة بما فيها من مسائل غير منسجمة ، فلابد أن يكون مقدمة لحياة أوسع تكمن فيها قيمة هذا الخلق الواسع ، وبتعبير آخر إذا لم تكن هناك نشأة أخرى فإيجاد هذا العالم لا يبلغ هدفه النهائي !